د.هبة الناجي/ السياسة والعلاقات الدولية
هل سينجو سُنّة العراق من قبضة إيران؟
بين وعود السياسة وخرائط الخوف… من يعيد المنفيين ويفتح أبواب جرف الصخر؟
لم يعد السؤال في العراق: من يحكم؟
بل أصبح: من يملك القرار الحقيقي خلف الدولة؟
على مدى أكثر من عقدين، تحوّل سُنّة العراق من شريك تاريخي في بناء الدولة إلى مجتمع يعيش بين ثلاثة جدران قاسية:
الاعتقال… التهجير… والاتهام الدائم.
آلاف المعتقلين ما زالوا خلف القضبان بملفات غامضة، وآلاف الأسماء ما تزال معلّقة على “الحاسبات الأمنية”، وكأن الزمن توقف عند سنوات الحرب والفوضى. وبينما تتحدث القوى السياسية عن “الاستقرار”، يعيش مئات الآلاف من العراقيين السنة في المنافي، داخل العراق وخارجه، وهم يحملون سؤالاً واحداً: هل ما زالت هناك دولة يمكن العودة إليها؟
تقارير حقوقية دولية ما زالت تتحدث عن خلل عميق في العدالة العراقية، وعن اعتماد واسع على الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، ووجود آلاف المحكومين بقضايا الإرهاب وسط انتقادات لغياب المحاكمات العادلة.
الملف لم يعد أمنياً فقط، بل أصبح ديموغرافياً وسياسياً ونفسياً.
فالمشكلة ليست في معتقل بريء هنا أو مهجّر هناك، بل في شعور جماعي ترسّخ لدى شريحة واسعة من العراقيين بأنهم مستهدفون بالهوية والانتماء والموقع الجغرافي.
جرف الصخر… المدينة التي اختفت من الخريطة
جرف الصخر ليست مجرد منطقة متنازع عليها.
إنها رمز لما يخشاه كثير من العراقيين: أن تتحول الجغرافيا إلى غنيمة حرب.
منذ سنوات، أُغلقت المدينة فعلياً أمام أهلها، وتحولت إلى منطقة محرّمة على سكانها الأصليين، رغم انتهاء العمليات العسكرية منذ زمن طويل. وفي كل مرة يُطرح ملف العودة، تظهر الحسابات السياسية والأمنية والميليشياوية لتؤجل القضية من جديد.
حتى القوى السنية المشاركة في العملية السياسية باتت تدرك أن ملف جرف الصخر أصبح اختباراً حقيقياً لأي تفاوض مع الحكومة المقبلة. وقد عادت المطالبات السياسية مؤخراً بإعادة نازحي جرف الصخر والعوجة والمناطق المغلقة، باعتبارها “حقوقاً مؤجلة” لا يمكن دفنها إلى الأبد.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تُفتح جرف الصخر؟
بل: من يملك قرار فتحها؟
هل الحكومة العراقية؟
أم القوى المسلحة المرتبطة بالمشروع الإيراني داخل العراق؟
الحاسبات الأمنية… مقابر مدنية بلا شواهد
هناك عراقيون لا يستطيعون عبور سيطرة أمنية بسبب تشابه أسماء.
وهناك شباب مُنعوا من الوظائف والسفر والدراسة لأن أسماءهم ظهرت في قاعدة بيانات غامضة.
وهناك عائلات كاملة تعيش في المنافي لأن أحد أفرادها “مطلوب للتدقيق”.
لقد تحولت “الحاسبات الأمنية” في نظر آلاف العراقيين إلى شكل جديد من العقاب الجماعي، خصوصاً مع غياب الشفافية القضائية وسهولة إدراج الأسماء وصعوبة إزالتها.
والأخطر من ذلك أن كثيراً من المنفيين العراقيين اليوم لا يخشون العودة بسبب داعش، بل بسبب احتمالية الاعتقال أو الابتزاز أو الاختفاء بعد العودة.
في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن المصالحة الوطنية، ما يزال أكثر من مليون عراقي نازحين وفق تقارير دولية حديثة، بينما تستمر الأزمات المرتبطة بالعودة الآمنة والعدالة الانتقالية.
هل يفاوض الساسة السنّة فعلاً… أم يفاوضون من أجل المناصب؟
هذه هي العقدة الأخطر.
فالساحة السنية بعد 2003 عاشت سلسلة طويلة من التسويات التي انتهت غالباً بتوزيع المناصب لا بحل المآسي.
ولهذا، فإن أي مشاركة في الحكومة الجديدة ستكون بلا قيمة إن لم تتضمن ملفات واضحة ومعلنة، أهمها:
- إطلاق سراح الأبرياء والمعتقلين بلا محاكمات عادلة.
- إنهاء ملف الحاسبات الأمنية.
- إعادة المهجرين والمنفيين بضمانات حقيقية.
- فتح جرف الصخر والمناطق المغلقة أمام سكانها.
- وقف التغيير الديموغرافي.
- تحييد القضاء عن النفوذ الحزبي والميليشياوي.
- إعادة بناء المناطق المدمرة التي تُركت لسنوات خارج التنمية.
أما الدخول في حكومة جديدة دون هذه الشروط، فسيُنظر إليه شعبياً على أنه إعادة إنتاج للفشل السابق.
إيران والعراق… معركة النفوذ التي لم تنتهِ
النفوذ الإيراني في العراق لم يعد مجرد علاقات سياسية، بل أصبح بنية عميقة داخل مفاصل الأمن والاقتصاد والسلاح.
ولهذا يرى كثير من العراقيين أن الأزمة ليست مع حكومة بعينها، بل مع مشروع إقليمي كامل يعتبر العراق ساحة نفوذ استراتيجية.
ومع تصاعد الضغوط الإقليمية على طهران، والتوترات المتزايدة في المنطقة، يبدو العراق واقفاً فوق برميل سياسي قابل للاشتعال في أي لحظة.
لهذا، فإن مستقبل سُنّة العراق لن يُحسم فقط داخل البرلمان، بل في شكل التوازن الإقليمي القادم، وفي قدرة العراقيين أنفسهم على فرض مشروع دولة يتجاوز الطائفية والانتقام والهيمنة المسلحة.
الخاتمة
سُنّة العراق لا يحتاجون خطابات تعاطف جديدة.
بل يحتاجون دولة تُعيد لهم الشعور بأنهم مواطنون لا ملفات أمنية.
فالمنفي الذي ينتظر العودة منذ سنوات، والمعتقل الذي ضاع عمره خلف الجدران، والطفل الذي كبر في المخيمات، لا تعنيه بيانات التهدئة السياسية بقدر ما تعنيه خطوة حقيقية واحدة نحو العدالة.
ويبقى السؤال الكبير:
هل تملك القوى السنية الشجاعة لفرض هذا الملف على طاولة الحكومة المقبلة؟
أم أن العراق سيستمر في إنتاج حكومات تُطفئ الأزمات إعلامياً… وتترك الجراح مفتوحة تحت الرماد؟

