حول قضية المغيبين في العراق

صادر عن المرصد العراقي للحقوق والحريات

بشأن المقابر الجماعية المكتشفة في الأنبار ومحاولات حرف نتائج التحقيق

التاريخ: 19 أيار / مايو 2026
المكان: العراق – محافظة الأنبار


مقدمة

يتابع المرصد العراقي للحقوق والحريات بقلق بالغ التطورات المتعلقة بالمقابر الجماعية التي تم العثور عليها في مناطق متفرقة من محافظة الأنبار، ولا سيما في المناطق الواقعة ضمن الامتداد الجغرافي بين سهل عكاز، شمال ناحية الصقلاوية، وناظم تقسيم الثرثار، وجزيرة كصيبة، وهي مناطق ارتبط اسمها منذ سنوات بملفات الاختفاء القسري والانتهاكات واسعة النطاق التي رافقت العمليات العسكرية والأمنية بعد عام 2014.

ومن خلال المعلومات والشهادات المتقاطعة التي عمل المرصد على جمعها وتوثيقها خلال السنوات الماضية، تبرز مخاوف جدية من وجود محاولات سياسية وإعلامية وأمنية تهدف إلى حرف نتائج التحقيقات وتوجيه الرأي العام نحو روايات مسبقة، بعيدًا عن معايير العدالة الجنائية المستقلة والشفافة.


خلفية الأحداث

شهدت مناطق شمال الأنبار خلال الأعوام 2015 – 2017 موجات واسعة من النزوح الجماعي والاعتقالات والاختفاء القسري، خصوصًا أثناء العمليات العسكرية التي رافقت استعادة السيطرة على مناطق الصقلاوية والفلوجة ومحيطهما.

وخلال تلك الفترة، وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية، إضافة إلى شهادات ناجين وعائلات ضحايا، وقوع حالات:

  • اختفاء قسري جماعي.
  • اعتقالات خارج إطار القانون.
  • تصفيات ميدانية.
  • نقل محتجزين إلى جهات مجهولة.
  • حرمان آلاف العائلات من معرفة مصير أبنائها.

وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن أعدادًا كبيرة من المفقودين لم يظهر لهم أي أثر حتى اليوم، رغم مرور سنوات على اختفائهم.


مؤشرات مثيرة للقلق

يرصد المرصد مجموعة من المؤشرات التي تثير الشكوك بشأن سلامة الإجراءات الحالية المتعلقة بالمقابر الجماعية المكتشفة، ومن أبرزها:

أولًا: الإعلان المبكر عن نتائج غير مكتملة

لوحظ خلال الساعات الأولى من تداول أخبار المقابر صدور تصريحات إعلامية وسياسية تتحدث بشكل شبه حاسم عن هوية الضحايا والجهة المسؤولة، قبل استكمال:

  • فحوصات الحمض النووي (DNA).
  • عمليات المطابقة مع بيانات المفقودين.
  • التحقيقات الجنائية المستقلة.
  • تحليل مواقع الدفن وتسلسلها الزمني.
  • جمع شهادات الشهود والناجين.

وهو ما يمثل إخلالًا خطيرًا بالمعايير المهنية الخاصة بملفات المقابر الجماعية.


ثانيًا: تغييب ملف المغيبين قسرًا

يؤكد المرصد أن عشرات آلاف العراقيين ما يزالون في عداد المفقودين، خصوصًا من أبناء الأنبار وصلاح الدين ونينوى وحزام بغداد، وأن أي تحقيق لا يضع هذا الملف ضمن أولوياته يُعد تحقيقًا ناقصًا ومسيّسًا.

كما أن تجاهل شهادات العائلات والناجين، أو استبعاد فرضيات تتعلق بعمليات تصفية جماعية واختفاء قسري، يمثل انحرافًا عن مسار العدالة.


ثالثًا: غياب الشفافية الدولية

حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لا توجد مؤشرات كافية على وجود إشراف دولي مستقل وشفاف يضمن:

  • سلامة استخراج الرفات.
  • توثيق الأدلة الجنائية.
  • حماية مواقع المقابر من العبث.
  • ضمان حيادية التحقيقات.
  • منع استغلال القضية سياسيًا أو طائفيًا.

ويحذر المرصد من أن أي معالجة أحادية أو مسيّسة لهذا الملف قد تؤدي إلى طمس الحقيقة بدل كشفها.


شهادات ومعلومات متقاطعة

بحسب المعلومات التي تلقاها المرصد من مصادر محلية وشهادات متقاطعة خلال السنوات الماضية، فإن المنطقة الممتدة بين سهل عكاز وناظم الثرثار وجزيرة كصيبة تُعد من أبرز المواقع التي يُشتبه باستخدامها كمناطق احتجاز أو تصفية أو دفن سري خلال فترة العمليات العسكرية.

كما تشير إفادات متعددة إلى:

  • مشاهدة عمليات نقل محتجزين إلى تلك المناطق.
  • سماع إطلاق نار جماعي في أوقات متفرقة.
  • اختفاء مجموعات كاملة من المدنيين بعد احتجازهم.
  • منع العائلات من الوصول إلى بعض المناطق لسنوات.

ويشدد المرصد على أن هذه المعلومات تحتاج إلى تحقيق جنائي مهني ومستقل، وليس إلى معالجات إعلامية سريعة أو روايات سياسية جاهزة.


المخاطر الحالية

يحذر المرصد من أن استمرار التعامل مع الملف بهذه الطريقة قد يؤدي إلى:

  • تضييع الأدلة الجنائية.
  • طمس هوية الضحايا الحقيقية.
  • استبعاد ملفات الاختفاء القسري.
  • استخدام المقابر الجماعية ضمن الصراع السياسي والطائفي.
  • حرمان العائلات من حقها في معرفة الحقيقة والعدالة.

مطالب المرصد العراقي للحقوق والحريات

يدعو المرصد العراقي للحقوق والحريات إلى:

  1. تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة بإشراف دولي كامل.
  2. تجميد أي تصريحات سياسية أو إعلامية استباقية قبل اكتمال التحقيقات الجنائية.
  3. فتح جميع مواقع الاشتباه بالمقابر الجماعية في الأنبار دون استثناء.
  4. إشراك خبراء دوليين مختصين بالمقابر الجماعية والاختفاء القسري.
  5. إنشاء قاعدة بيانات وطنية شفافة للمفقودين والمغيبين قسرًا.
  6. حماية الشهود والناجين وعائلات الضحايا من أي ضغوط أو تهديدات.
  7. إعلان نتائج فحوصات الحمض النووي بشفافية كاملة وربطها بسجلات المفقودين.
  8. ضمان عدم استغلال الملف لأغراض سياسية أو طائفية أو إعلامية.

إن المقابر الجماعية ليست مادة للدعاية السياسية، ولا أداة لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الانقسام الطائفي، بل هي جريمة إنسانية تمس ضمير المجتمع العراقي بأكمله.

ويؤكد المرصد العراقي للحقوق والحريات أن العدالة الحقيقية تبدأ من كشف الحقيقة كاملة، دون انتقائية، ودون حماية لأي جهة متورطة، ودون تحويل دماء الضحايا إلى مادة للاستثمار السياسي.

كما يشدد المرصد على أن حق العائلات في معرفة مصير أبنائها حق إنساني غير قابل للتقادم، وأن أي محاولة لطمس الحقيقة أو توجيه التحقيقات ستُعد استمرارًا للانتهاك نفسه، وإن اختلفت الوسائل.

اترك رد