تقارير

ما الدلالات الإستراتيجية لعمليات تركيا وإيران في العراق؟

ما الدلالات الإستراتيجية لعمليات تركيا وإيران في العراق؟

ما الدلالات الإستراتيجية لعمليات تركيا وإيران في العراق

كريم شفيق نقلا من صحيفة حفريات

عادل الخزاعي مدير مرصد iov

مع توسيع تركيا دائرة عملياتها العسكرية في شمال العراق، مؤخراً، بحجة استهداف من تصفهم بـ “الإرهابيين”، في حزب العمال الكردستاني، والذي تزامن مع صدور تقرير للجنة تقصي الحقائق بالبرلمان العراقي، بينما أكد عدم وجود أدلة حول المزاعم الإيرانية لضرب أربيل، فإنّ أهداف العمليات العسكرية التي تنفذها طهران وأنقرة، في العراق، وسياقاتها، تبدو متباينة في تكتيكاتها وأغراضها، كما تعتبرها الحكومة في بغداد بمثابة تدخل مباشر يمسّ سيادة البلاد، وكذا وحدة جغرافية المناطق التي تتمتع بالحكم الذاتي في الشمال.

العراق ساحة للتنافس الإقليمي

وقال تقرير لجنة تقصي الحقائق الصادر عن البرلمان العراقي، إنّ المعلومات التي قامت طهران بترويجها ضمن وسائلها دعائية بعد استهداف أربيل بنحو 12 صاروخاً باليستياً، لا توجد حقائق تدعمها، بالتالي، فإنّ هجوم الحرس الثوري الإيراني على “مركز تجسس إسرائيلي” في أربيل، بحسب مزاعم طهران، مخالف للقانون الدولي، كما أنّ صاحب الفيلا التي تعرضت للاستهداف لديه الحق في مقاضاة إيران. 

وشدّد التقرير على ضرورة اتّخاذ الحكومة العراقية الإجراءات اللازمة كافة “للحفاظ على كرامة وسلطة البلاد”، ثم “استخدام الوسائل الدبلوماسية لضمان عدم تكرار مثل هذه الأعمال”.

وأوضح الناطق الرسمي بلسان وزارة الخارجية العراقية، أحمد الصحاف، أنّه “رغم ما تتمتع به إيران من علاقات عميقة وبالغة الأهمية مع الحكومة العراقية، فإنّ كلّ ذلك لا يتيح، لا لإيران ولا لأيّ طرف آخر على مستوى العالم، أن يبادر إلى عمليات أحادية عدائية تطال سيادة العراق وأمن مواطنيه”، مؤكداً أنّ إيران لم تقدم “مواقف وأدلة واضحة” لتبرير الضربة الأخيرة التي وجهتها لأربيل، في آذار (مارس) الماضي، لا سيما أنّ الدستور العراقي يرفض استهداف البلاد باعتبارها “مقراً أو ممراً لإلحاق الأذى بأيّة دولة من دول الجوار”.

وعرج الناطق بلسان الخارجية العراقية على تدخل تركيا العسكري في العراق، بينما طالب الأولى بضرورة التنسيق مع الحكومة في بغداد قبل تنفيذ أيّة عملية عسكرية، لافتاً إلى أنّه إذا كان الهدف من هذه العمليات العسكرية “هو مواجهة الجماعات التي تمثل خطراً على الأمن القومي التركي، فمن الصحيح والجدير بتركيا أن ترتكن إلى التنسيق مع الحكومة العراقية”.

الضغط على الأطراف

وفي حديثه لـ “حفريات“، يوضح الناطق بلسان المرصد العراقي للحقوق والحريات، عادل الخزاعي، أنّ شمال العراق يضمّ أربع محافظات، ويتمتع (إقليم كردستان) بالحكم الذاتي، وفي هذا الإقليم، منذ نشأته، أحزاب عديدة، منها الحزب الوطني الكردستاني، الذي تزعمه الراحل جلال طالباني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتولى قيادته الزعيم مسعود بارزاني، فضلاً عن مجموعة أحزاب صغيرة، كما يتقاسم حكم المدن في الإقليم حزبان، ويرفض كلّ منهما الانفصال (مرحلياً، وبصورة مؤقتة)، عن العراق، لكنّهما يجتمعان على حلم الدولة الكردية التي تمتد أجزاؤها بين إيران وتركيا وسوريا والعراق.

ويتابع: “هناك حزب يسمى “pkk”، أو حزب العمال الكردستاني، وهو حزب انفصالي يتزعمه عبد الله أوغلان، يؤمن بحدود الدولة الكردية، الممتدة حدودها بين العراق وسوريا وتركيا وإيران، كما يتواجد جنود الحزب، بصورة سرية، بين حدود هذه الدول، وتقوم تلك العناصر بعمليات أمنية وعسكرية بين فترة وأخرى، وقد أعطى العراق صلاحية للجيش التركي، منذ عام  1980، لقتال الحزب داخل الأراضي العراقية، نظراً لانشغال العراق بحرب إيران”. 

الضربات على مدينة أربيل، وخصوصاً من جانب إيران، تحمل رسالتين، بحسب الخزاعي، وقد بعثت بهما طهران للولايات المتحدة؛ الرسالة الأولى كانت نتيجة للضربات الإسرائيلية على المصالح الإيرانية في سوريا، والتي استهدفت قواعد للحرس الثوري، وبما أنّ المحور الإيراني يرى أنّ أربيل ضمن محور أمريكا وإسرائيل، فكان استهداف أربيل بصواريخ بالستية وضرب منزل رجل أعمال كردي ومالك شركة أمنية كبيرة بمثابة “ردّ فعل مباشر ورسالة مفادها أنّ إيران قادرة على ضرب مناطق نفوذ أمريكية في المنطقة عموماً وإقليم كردستان على وجه الخصوص”.

والرسالة الثانية، وفق الخزاعي، هي بعث رسالة مؤثرة، خلال انعقاد جلسة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في فيينا، للتأكيد على أنّ “إيران صاحبة الأقدام الثقيلة في المنطقة عسكرياً، لعلمها أنّ الولايات المتحدة لا تحترم الحليف الضعيف، وأيضاً لإرغام الولايات المتحدة على الانصياع لشروطها في المفاوضات، وتحديداً ما يتصل بسلوكها الإقليمي، والقبول بنفوذها القوي المتواجد بين أربع دول عربية”.

صراع الجغرافيا والسياسة والقومية

وعن ضربات تركيا واستهدافها المتكرر لمدن شمال العراق، فهي تأتي ضمن فعاليات عسكرية دائمة في جبال قنديل الحدودية، تلك المنطقة التي تعد حاضنة كبيرة ومهمة تاريخياً لمعسكرات لحزب العمال الكردستاني “pkk”، الذي لم تتدخل أيّ من السلطات العراقية أو سلطات إقليم كردستان لإيقاف نشاطه العسكري، وفق المصدر ذاته، بل قامت الحكومة العراقية بضمّ وحدات الحزب ضمن تشكيلات الحشد الشعبي، بما في ذلك صرف رواتب مالية لأفرادهم، وصرف أسلحة من مخازن الحكومة العراقية لوحداتهم، رغم أنّ جنسيات أغلبهم غير عراقية، وترى تركيا أنّ الحرب ضدّ حزب العمال الكردستاني حماية لأمنها القومي، والذي أقرته لهم الحكومات العراقية المتعاقبة منذ أربعة عقود باتفاق يشمل السماح للقوات التركية بالتوغل إلى حدود مدينة زاخو جنوباً وحدود مدينة سنجار غرباً، إلا أنّ الحكومات العراقية ما بعد عام 2003 لم تبدِ التزاماً بهذا الاتفاق.

وهناك بعض المشاهد المحيطة بظروف تنفيذ مثل هذه العمليات لكلّ من تركيا وإيران، وفق الباحث المصري؛ إذ إنّ تركيا ترى في هذه العمليات جزءاً من الحفاظ على حدودها من مخاطر انتقال قوات حزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابياً، إلى داخل حدودها، بالإضافة إلى تأمين احتياجاتها بالسيطرة على هذه المنطقة النفطية في ظلّ الأزمات الاقتصادية الناتجة عن الأزمة الأوكرانية. 

وبالنسبة لإيران، فإنّها تحاول تنفيذ مجموعة من الأهداف، منها؛ تعزيز نفوذها بعد الانتخابات، خاصة أنّ طهران تستخدم أوراقاً عديدة في التأثير على مجريات المفاوضات حول ملفها النووي، في ظلّ انشغال الإدارة الأمريكية والدول الغربية بتداعيات الأزمة الاوكرانية وكيفية التعامل مع روسيا، وهو الأمر الذي قد يمنح هامشاً أوسع للمناورة لكلّ منهما في تنفيذ أهدافهما داخل العراق وخارجه.

اترك رد