أشباه عادل امام في العراق

الكاتبة : رند العلي

يكاد أن يكون ‏التسول أخطر آفة اجتماعية مستشرية بعموم المجتمعات الإنسانية. المجتمعات غير المستقرّة سياسيّاً تأخذ منحىً تصاعديّاً مخيف، إذ تتحوّل فيه هذه الآفة إلى ما يشبه الظاهرة!

صارت الظاهرة مهنةً وفن. مهنةٌ لا تحتاج لكثيرٍ من التدريب، إذ يكفي أن تمتلك القدرة على التمثيل لتجسّد دور المسكين لتكسب مشاعر الناس وتستدر عطفهم.

تهدّد هذه الظاهرة؛ جسد المجتمع، وبالتالي قد تعرّض عموم النسيج الاجتماعي لمزيدٍ من التسيّب الأخلاقي. يحضر مشهد الأطفال والنساء في هذه الظاهرة على رأس الهرم. حيث يشكلان النسبة العظمى من المتسولين لأسباب متعدّدة. منها ما يرتبط بالبناء الأُسري الذي يتعرّض بدوره لهزّةٍ تدفع الضعفاء منهم للتسوّل. التفكّك الأُسري الناتج عن طلاق، أو وفاة ربّ الأُسرة، وغيرها من الأسباب؛ كلّها تؤدّي مجتمعةً للتسوّل، فضلاً عن أسباب موضوعية، كالتنشئة الاجتماعيّة، والبيئة، والتعليم، فيما أهمها غياب الدور الرقابي لمؤسسات الدولة.
ينجم عن مثل هذه المعاضل مشاكل جمّة، وظواهر غير حضاريّة تسيء للمجتمع وقيمه ومنظومته الأخلاقيّة.

لا بدّ من علاجٍ يكبح هذه الظاهرة. ليس علاجاً أمنيّاً وحسب، بل على المستوى النفسي والاجتماعي والمالي. طبعاً، هذا واجب الحكومة أولاً وآخراً، لكنّ الظاهرة أكبر من هذا العلاج الذي يتعامل مع الظاهرة سطحيّاً. ثمّة أُسس تحتاج لدراسةٍ مفصّلة تأخذ بالحسبان التشكيل النفسي للإنسان الذي يسترخص كرامته ويمدّ يده متسولاً الناس؟ هنا، تكمن خطورة مثل هؤلاء، إذ تمثّل هذه النفوس المريضة قنابلٌ موقوتة تتجوّل بحرية مطلقة بين الناس. من السهولة استخدامهم بتنفيذ جرائم وعمليات إرهابيّة؛ كونهم لا يلفتون الانتباه، ولا يثيرون النظر. بسهولة ينخرط الأطفال في شبكات العصابات المنظمة، وممارسة الأعمال الهامشية كالبيع في الطرقات والإشارات ومواقف السيارات واستثمارهم في تجارة المخدرات وترويجها. كما يتعرضون هم أنفسهم للعديد من المخاطر في الشارع على الصعيد الأمني والسلوكي والنفسي والاجتماعي والصحي، وتعرّضهم للاعتداءات الجسديّة واللفظيّة.

نحنُ في المستقبل القريب أمام شخصيّات خطيرة، عمادها؛ الجهل والأمية والتخلف الفكري والبطالة. ما يتعرّض له أطفال الشوارع كارثة بكل المقاييس الإنسانيّة. سوء التكّيف النفسي والانحراف الأخلاقي في مثل هذا السن يُنتج شخصيّات مدمّرة، وأخلاق مشوّهة. الطفل في مثل هذا السن يتقولب على جملة أعمال تستبعد طفولته ومستقبله من خارطته الإدراكيّة، تاركةً إيّاه ببحرٍ من الأمواج المتلاطمة بين حلمه كطفل، ومهنته التي يأكل ويشرب منها بسهولة؟ نفسيته وجسده يتأقلمان على سؤال الناس دون رادعٍ من شخصيّته التي نشأت على هدر الكرامة، وابتذال حياته.

أيُّ راصدٍ لهذه الظاهرة في الشوارع والأحياء والأسواق؛ سيشمئز من جيوش المتسولين، لا لأنّهم ” محتاجون ” للمعونة كونهم ” محتاجون ” فعلاً، إنّما صار التسوّل نوعاً من التجارة التي تُدار من خلف الكواليس عبر شبكات متعدّدة. الموضوع أشبه ما يكون بشركات توزّع مندوبيها على رقع جغرافيّة معيّنة، كلّ شركة لها مندوبيها. ثمّة عوائل بأكملها تمتهن التسوّل، وغيرهم يسافرون لمحافظاتٍ أُخرى حتّى لا يعرفهم أحد، وغيرهم ينتقلون للأماكن القريبة من العتبات؟
لا أدري، لِمَ تذكّرت الفيلم المصري الذي يحمل عنوان ” المتسول ” من بطولة عادل إمام أثناء كتابة هذا المقال، ربّما لأنّه يجسّد المشهد الحقيقي لهذه الظاهرة تجسيداً واقعياً مع إنّه فيلم كوميدي؛ لكنّه ينطوي على رسائل ضمنيّة تحذّر من هذه الآفة بصيغة سينمائيّة. كم شبكة تسول تُدار من خلف الكواليس على غرار الشبكة في فيلم المتسول، وكم سيد ” هاموش ” يستغلّ أشباه ” حسنين ” في عراق الخيرات؟

ضاهرة التسول

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: